الشيخ سفر الحوالي اليمن أقدم حضارة 👍👍


 


رجوع جميع الحضارات إلى أصل واحد

 المرفق      

الحمد الله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام! تأتي هذه الحلقة تتمة لما تقدم من الحديث عن نشأة الحضارة, وبداية التاريخ, واختلاف المناهج البحثية والعلمية في ذلك.
الذي نريد أن نؤكده في هذا الحلقة وفي غيرها هو: أن المركزية التي يدعيها الفكر الغربي، أو كثير من الباحثين الغربيين للحضارة الغربية، أو للأصول اليونانية للحضارة؛ لا تقوم على أي أساس علمي, وبالتالي هناك مجموعة من الحقائق الدينية والتاريخية والعلمية، ومجموعة أيضاً من التقاليد ومن الأساطير، كل ذلك يُكوِّن لدى البشرية جميعاً -ولكل مطلع باحث من أي جنس من أي بلد- أن كل الحضارات ترجع إلى أصل واحد, وإلى منبع واحد، كما أن كل الجنس البشري يرجعون إلى أسرة واحدة وأم وأب, أي: آدم و حواء عليهما السلام.
وحدة الأصل الحضاري للبشرية حقيقة يمكن أن نقدم عليها أدلة كثيرة, ونماذج كثيرة جداً من غير الخوض في التفاصيل الدقيقة والعميقة؛ لأن المقصود هنا: إعطاء إخواننا المشاهدين فكرة عامة مجملة، وعندما نتعرض لذلك ونشير إلى المصدر المعصوم من الخطأ؛ وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة؛ فإنما نشير إلى ذلك لكي نوضح أن المنهج القرآني نفسه إنما يقوم على إعطاء هذه الحقائق كإشارات عامة مجملة، والخوض في التفاصيل يترك للجهد البشري وللبحث البشري وللتنقيب البشري، كما سوف نرى أهمية ذلك في موضوعنا اليوم, وهو موضوع الحضارة في بلاد اليمن , أو في جنوب الجزيرة العربية.

الحضارة اليمنية

 المرفق      

سبق أن تحدثنا في بعض الحلقات السابقة عن مركزية الجزيرة العربية, وأهمية الجزيرة العربية حتى بالنسبة لبعض الحقائق أو النظرات الكونية، كموقعها مثلاً بالنسبة لما يراه الإنسان من الفضاء الخارجي من الكواكب الأخرى، وأشرنا إلى أن اللغات في كل أنحاء العالم أو أن الباحثين اللغويين أُثْبِت لديهم أن الحضارات القديمة ترجع إلى لغة واحدة, وأبجدية واحدة, وتفرعت منها أبجديات أخرى، وأن موطن هذه اللغة وهذه الأبجدية هو الجزيرة العربية.

قدم الحضارة اليمنية

ونحن عندما نركز اليوم على اليمن بالذات, أو الجزء الجنوبي أو الخصب من جزيرة العرب؛ فإنما نقدم حقائق إضافية إلى ما قدمنا فيما سبق وتقدم عن الحضارة في جنوبالعراق , وفي أجزاء من بلاد الشام .
فالحضارة التي نشأت في بلاد اليمن لا تزال في نظرنا وتقديرنا مهملة إلى حد كبير إذا ما قورنت بالحضارات الأخرى، بعد أن كانت نظرة الباحثين إلى أن أقدم الحضارات هو ما وجد في مصر أو في بلاد الرافدين، في إمكاننا نحن أن نقدم نظرية أخرى ونقول: إن أقدم من هاتين الحضارتين هي الحضارة اليمنية، ولكنها لم تحظ بالعناية الكافية في حدود ما اطلعنا عليه وما علمنا؛ لأن المشكلة الكبرى التي ناقشناها في أوائل هذه الحلقات: الفجوة الكبيرة بين نشأة البشرية وبين آدم ونوح عليهما السلام، وبين إبراهيم عليه السلام ومن جاء بعده، هذه الفجوة الكبرى أكبر من أن يمكن أن يغطيها ويسدها هو التاريخ اليمني الواسع الممتد، وقد جاء ذلك صريحاً في المصدر الموثوق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ وهو القرآن الكريم، حيث نجد صراحة أن عاداً بعد قوم نوح ثم ثمود بعدهم، ثم بعد ذلك بآماد يأتي إبراهيم عليه السلام.
طبعاً ثمود في شمال جزيرة العرب، والظاهر أنها غطت جزيرة العرب جميعاً, وكثيراً من أرجاء العالم القديم؛ لكن في هذه المرحلة يهمنا جداً معرفة عاد، فهي أقدم باتفاق أهل العلم من ثمود، ومع ذلك فهذه الحضارة التي لا تكاد تذكر في التاريخ البحثي أو التاريخ العلماني هذه حضارة أهملت، ونجد عندما يتعرض هذا التاريخ لليمن وللحضارة ولنشأتها وللدين في اليمن ، فإنه يتكلم عن حضارة سبأ -على سبيل المثال- وبعض الحضارات المعينية أو القتبانية وما أشبه ذلك، التي هي قريبة جداً من الألف الأول أو بعده، -ما بين سليمان عليه السلام والمسيح, في فترة تعتبر قريبة وحديثة- تعتبر بالتأصيل الذي ذكرناه نحن وقلنا: إنه جاء في القرآن: أن التاريخ الحديث أو المتأخر يبدأ من هلاك فرعون, ومن إنزال التوراة ، فإذاً تعتبر فترة حديثة جداً.
فأين عهد موسى عليه السلام وإنزال التوراة من عهد عاد؟! آلاف من السنين وأحقاب واضحة جداً لمن يقرأ في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولمن يتأمل في السنة الصحيحة, ولمن ينظر إلى التاريخ المشهور المتواتر عند العرب.
ولا يصح بأي حال من الأحوال أن نقول: إن هذه أساطير, وكما يقول المستشرقون ويزعمون: هذه روايات عربية.. تقاليد عربية, وما أشبه ذلك، وننظر بالجانب الآخر إلى كلام المؤرخين الغربيين أو اليونانيين المتأخرين -حتى زمنياً- على أنه هو الحقيقة أو هو أقرب للحقيقة!
هيرودوت أو تيودور الصقلي أو ما أشبههم، لمَ يكون كلام هؤلاء حقائق أو تاريخ موثق وعليه بعض التحفظات، وأما يقوله الكتاب العرب أو ما يحفظه العرب من تراث أو ما تنطق به النقوش العربية؛ فإنه يعد وكأنه أساطير أو شبه أساطير؟! لا بد أن ننظر نظرة منصفة إلى ذلك.

وصف الحضارة اليمنية بالحكمة

نقول: معنى ذلك أن الحضارة في اليمن ، الحضارة في جنوب جزيرة العرب حضارة متميزة وقديمة، لا يميزها فقط القدم؛ بل إنها متميزة, وجاء هذا التميز واضحاً وجلياً من خلال الكتب السماوية، والآثار الموجودة التي تنطق حتى الآن، وإن كان التاريخ البحثي لم يُعَمَّق, وهذا ما نرجو أن نثيره, وأن نشجع عليه في مثل هذا اللقاء إن شاء الله تبارك وتعالى، لكي تكتمل الحلقات التي يمكننا من خلالها أن نشهد تاريخاً بشرياً حقيقياً وصحيحاً، ينطلق من قضية أن هذه البشرية أصلها واحد, وأن دينها واحد, وهو التوحيد في الأصل، وأن ما طرأ على ذلك من وثنيات وانحرافات فهي انحرافات طارئة، وبالتالي نلغي المركزية التي يجعلها البعض لأمة دون أمة, أو مكان دون مكان إلا ما ثبت في الدليل الصحيح، فنحن المسلمين -ولله الحمد- نؤمن بجميع الأنبياء, ونؤمن بجميع الكتب, ونعلم أن منهم من قص الله تعالى علينا نبأه, ومنهم من لم يقص الله تعالى علينا نبأه، فلا حرج لدينا أن يأتينا من يتحدث عن حضارة أو عن أنبياء أو عن تراث آخر غير مذكور لدينا! المهم أن يكون ذلك ثابتاً بالأدلة الصحيحة, وأن يكون مقبولاً علمياً وموضوعياً.
أما يفعله المستشرقون من تسييس الآثار وعلم الآثار وعلم الأبحاث، فالملاحظ أنه تحامل! فما فعلوه مبني على التحامل, وعلى طمس الآخر تماماً -الذي هو المسلم العربي- محاولة شديدة ويائسة لأن يطمس, ومع ذلك الحمد الله لم يستطيعوا؛ لأن من الغربيين أنفسهم الباحثين المتجردين، وفي نفس الوقت الحقائق تظهر شيئاً فشيئاً حتى تكشف عن أمور لا يمكن لهؤلاء أن ينكروها.
نحن على سبيل المثال عندما نذكر الميزة العظمى للحضارة اليمنية غير القدم، هناك ميزة السمو والرقي العقلي والروحي، والتفكير الذي يمكن أن نجمعه في كلمة واحدة وهي: الحكمة؛ أنها حضارة حكيمة, وأنها بلاد حكمة.
مما يدل على ذلك في الكتب القديمة وفي التاريخ -على منهجنا الثلاثي في المصادر- لو أننا نظرنا إلى العهد القديم فنجد أن هذا واضحاً جلياً، ففي سفر أيوب على سبيل المثال: عندما تكون تلك المجادلة حول القضاء والقدر وحرية الإرادة والإنسان، وكيف يبتلي الله تبارك وتعالى الإنسان, وهل هذا عدل أم غير عدل -تعالى الله عما يصفون- نجد أن الحكمة في هذا السفر من أولها إلى آخرها حكمة يمانية، والأسماء أسماء يمانية، وهذا ما يُقر به كل من يكتب عن التوراة والعهد القديم، ويضعون ذلك تحت اسم اليمن أو التيمن؛ اللفظ التوراتي يكون التيمن مأخوذ من التّيمُّن أو من اليمن ، فيقولون: إن هذه بلاد الحكمة, وقالوا: إنها منبع أو أصل للحكمة.
كذلك في الأمثال الأخرى, وكتب الحكمة الأخرى، وهي أحد الأجزاء الكبرى مما يسمى بمجموعه: البايبل عند أهل الكتاب أو العهد القديم بالذات، نجد أيضاً في إنجيل متى أن المسيح عليه السلام عندهم نص على هذا يقول: إن ملكة سبأ جاءت وطلبت الحكمة من سليمان -في معرض ذم اليهود - و اليهود لم يقبلوا الحق منه عليه السلام وهو أفضل من سليمان, وأعظم حكمة, وأعظم نبوة، وهذا حقيقة نعم هو كذلك، فيتعجب يقول: كيف الأمم البعيدة والغريبة تقبل الحكمة بينما أنتم يا بني إسرائيل! لا تقبلونها مع أنها أمام أعينكم؟ فهذا أيضاً مما يؤكد الصفة نفسها.
تأتي هذه على لسان أصدق البشر صلى الله عليه وسلم فيختصر بكلمة واحد ويقول: (الإيمان يمان, والحكمة يمانية).
لاحظ المصادر الثلاثة تتفق بأن هذه بلاد حكمة, وأنها حضارة حكمة، بمعنى: السمو الروحي والأخلاقي فيها أعظم من أي مظهر آخر, بالإضافة إلى أن لها مآثر أخرى.
مثلاً: أول ناطحات سحاب عرفها العالم هي في اليمن , ولا تزال آثار منها موجودة إلى الآن! أعظم السدود في تاريخ البشرية هي السدود التي بنيت في اليمن , ولا تزال الآثار موجودة وقائمة حتى الآن! إذاً: هناك أيضاً حضارة عمرانية مزدهرة وقديمة, وتشمل جوانب مادية, وتشمل جوانب روحانية، بإمكاننا أن نجد هذا, وأن نجد أيضاً جوانب الانحراف.

إشارات قرآنية في الحضارة اليمنية

 المرفق      

إذا نحن أخذنا من الإشارات القرآنية مجموعة من الحقائق، وركبنا من خلالها تاريخاً عميقاً وعظيماً لهذا الجزء المهم من جزيرة العرب.
بمعنى آخر: أننا يمكن أن نعتبر أمة عاد، أمة طرأ عليها الشرك ثم بعث الله تبارك وتعالى إليهم هوداً عليه السلام؛ فكان ما كان من هلاكهم وعقوبتهم، وهذه ممكن أن تفرد في لقاء أو أكثر لبيان ما الذي توصل إليه العلم أو الكشوفات الأثرية من مواقع عاد؟! وأسباب الهلاك التي يفسرها البعض تفسيرات قد تتفق مع النص القرآني وقد تختلف؛ لكن على أية حال هناك بحوث مهمة وحديثة في هذا الشأن, هذا جانب.
بعد ذلك نجد أن هناك في القرآن حديثاً عن ذي القرنين ، من هو ذو القرنين ؟ أقرب الأقوال -على كثرة الخلاف- فيه أنه من ملوك اليمن , الذين كان -كما في نص القرآن- رجلاً صالحاً عبداً مؤمناً موحداً تقياً وفتح الأرض، وهذه الحقيقة التي جاءت في كتاب الله تبارك وتعالى هي من ضمن حقائق كثيرة، أو من ضمن ثوابت كثيرة في التاريخ اليمني القديم، معلومة بشبه تواتر أو متواترة عن العرب القدماء, وعن ملوك وحكام اليمن .
فيما أثر عن عبيد بن شرية فيما كتبه أو نقله هشام بن الكلبي وأمثاله, وحفظه لنا مثل كتاب: المحبّر أو كتاب المسعودي مروج الذهب و المقريزي -وقد نقلنا بعض النقول من ذلك- نأخذ من ذي القرنين إشارة إلى أن مُلكاً عظيماً كان لهذه الأمة، لم يكن حادثاً منفصلاً؛ بل جزءاً من تاريخ. 
كذلك ما ذكر الله تبارك وتعالى عن تبع وقومه جزء من تاريخ طويل جداً وعظيم، وما ذكر أيضاً عن أصحاب الأخدود، وما ذكر أيضاً عن سبأ وملكها وعظمة عرشها، وما نقل عن الجنتين وعن السد, وعن التواصل الحضاري (( وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ))[سبأ:18], هناك إشارات كثيرة في القرآن واضحة وجلية إلى أمة متحضرة.. إلى رقي.. إلى تواصل مع أنحاء العالم كله، كل ذلك ممكن أن نجعله الأسس الثابتة والقوية للتاريخ اليمني الشامل العام، ث

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقل عند سلف الامة👍👍👌👌