أسرار اللغة العربية

جمعتُ في هذه السطور كثيرًا من المعلومات والفوائد المتعلقة باللغة العربية من خلال مطالعاتي لكثير من الكتب القديمة والحديثة، وبحكم تخصصي الأكاديمي (اللغة العربية والدراسات القرآنية) أحببتُ أن أشارك بها القراء حتى يستفيدوا منها، وهذه المعلومات مرتبطة بالإعراب والنحو وتصحيح الأخطاء والأغلاط اللغوية وشرح بعض المفردات المهمة والتنبيه على كثير من الفوائد في معاجم اللغة العربية وقواعدها وغير ذلك مما له صلة بهذه اللغة الجميلة

 

1-     دائما يقول النحاة والمُعرِبون: “إنَّ وأنَّ للتوكيد”

الحقيقة أن ذلك ليس على سبيل الإطلاق، فهناك مواضعُ لا يدلُّ فيها ذانك الحرفان على التوكيد؛ بل يحملان معنى آخَرَ هو الربط أو التمكين للضمائر المتصلة، نحو قولك: “ظننتُ أنَّك قادمٌ” فلا توكيدَ في هذه الجملة البتةَ، والإتيان بهذا الحرف -هنا- هو لمجرد تمكين الضمير المتصل (الكاف) في الكلام.

2-     لفظة “سُبْحانَ” إحدى روائع العربية

وقد اختلف أهل اللغة في تأويلها بين قائلٍ بأنها مصدرٌ غلب عليه الإضافة، وقائلٍ بأنها جرتْ مجرى الأعلام مثل “عُثمان” فهي ممنوعة من الصرف، وقائلٍ بأنها اسمُ فعلٍ مضارعٍ وأقوال أخرى، ولكنَّ هنالك أسلوبًا نادرًا في تركيبها مع حرف الجرِّ “مِن” كما في قول الأعشى:

أقولُ لَمَّا جاءَ في فخرِهِ … سُبحانَ مِن علقمةَ الفاخِرِ

وهي هنا ليست بمعنى التنزيه وإنما بمعنى التعجُّب كما هو واضح من سياق البيت، وهي إمَّا مصدرٌ قُطِع عن الإضافة التي نواها المتكلم فبقي أثرها الذي هو إلغاء التنوين، وإمَّا أنَّ حذف التنوين هو ضرورةٌ شعرية، وإمَّا -كما يرى بعضهم- مضافةٌ إلى “علقمةَ” وحَكَمَ بأن حرف الجر “مِن” زائد، وهذا قولٌ مستبعَد.

3-     قال ابن عصفور الإشبيلي: “يجوز النسبة إلى الأب والأُمِّ والقبيلة والصنعة وصِفَة الشيء(بتصرُّف)

فأمَّا أهل البصرة فيمنعون ذلك مطلقًا، وأمَّا أهل الكوفة فيَروْنَهُ سائغًا صحيحًا لوروده عن العرب في مواضعَ كثيرةٍ منها: أحمريٌّ ودَوَّارِيٌّ ومُهاجِرِيٌّ ومُشْرِكِيٌّ، وأعجمِيٌّ (هذه وردتْ في القرآن) وأشْقَرِيٌّ، وكلُّ هذه نِسَبٌ إلى صفات الشيء مسموعةٌ، ولذا قال الشريف الرضي -وكان بصريًّا-: الإنصاف جوازُ ذلك، لأن ما ورد منها لا يمكنُ مدافعته!

قلتُ: قلَّما يعترفُ بصريٌّ بمذهبِ كوفيٍّ !! رحم الله أئمَّتنا.

واستطرادًا على ذلك؛ فإنه يجوز النسبة إلى لفظة “رئيس” -وهي صفةٌ- فيقال: رئيسيٌّ، خلافًا لمن أنكره من المعاصرين تعنُّتًا.

4-     الفعل “اتَّخذ” يتعدَّى إلى مفعولين

كقولك: اتَّخذتُ فلانًا صديقي، وفي التنزيل: “يا ليتني لم أتخذْ فلانا خليلًا”، وهذا معروف جدًّا لدى طلبة النحو والعربية، ولكن ما ليس معروفًا عند كثيرٍ منهم أنه يكون لازمًا بمعنى “هَلَكَ”، فتقول: اتخذ فلانٌ إذا هلك في ماله ومتاعه وأصابتْه فيهما نوائب الدهر، وهذا الاستعمال عربيٌّ فصيحٌ وهو -أيضًا- من بقايا الفصيح في لهجتنا النائليَّة يعرفه الكبار والصغار من أبناء المنطقة، ويشتقُّون منه صيغة أخرى وهي: “توخَّذ” على ميزان: تفعَّل، ولا أدري هل لها وجهٌ يصحُّ في اللغة الأمِّ أم لا؟

وهذه الفائدة قرأتها منذ دهرٍ في أحد شروح ابن هشام على ألفية ابن مالك الأندلسي، رحم الله الجميع!

5-     عن مفردة “الغَتِّ”

سأل عنها بعض أصحابي؛ ونحن -في اللهجة النايلية- ننطقُها بالقاف كالعادة، فإنَّ معناها في المعاجم العربية متطابقٌ تماما مع المعنى المستعمل في منطقتنا، ففي الحديث النبوي: “أَخذني جبريلُ فَغَتَّني حتَّى بلغ منِّي الجَهدُ”، يقول اللغويون وشُرَّاح الحديث: غَتَّني بمعنى ضغطني ضغطًا شديدًا.

والغَتُّ يأتي أيضا بمعنى الإذاية والغُمَّة، يقال: غتَّ فلانٌ فلانًا إذا ألحقَ به الأذيَّة، وغتَّ اللهُ قومًا في العذاب إذا غمَّهم وأدخلهم فيه.

ونحن نطلق لفظة “الغَتِّ” على الضغط المتتابع نتيجةَ حرارة الجو.

6-     فوائد في قوله تعالى: “فطفِقَ مسحًا بالسوق والأعناق”

الفعل “طفِق” مكسورَ العين هو من أجود ما استعملتْهُ العرب في هذا الموضع، ويدلُّ على الشروع في عملٍ ما وملازَمته دون الانقطاع عنه، ويُحكَى في لغةٍ ضعيفةٍ فتح العين في ماضيه “طَفَق” ولا يرتضيها الأئمة.

والمسْحُ هو المسح المعروف، وزيادة الباء للتوكيد وتقوية المعنى، ومن ظفِرَ بهذه الفائدة واستحضرها علِمَ أنَّ المسح المقصود هو المعروف، وأن من تأوَّل الآية بأن سيدنا سليمان -عليه السلام- ذبح الخيول لكونه تلهَّى بها عن صلاة العصر – أنَّ تأويلَهُ ضعيفٌ، فدخول حرف الباء الذي يدلُّ على شدة الملاصقة يستفاد منه ما رجَّحه الإمام أبو جعفر الطبريُّ من أنَّ ذلك الفعل كان من سليمان -عليه السلام- محبَّةً ورحمةً بتلك الخيول، كما يمسح أحدُنا بكتِفِ الحبيب وشَعَرِهِ، ثم هذا المعنى هو الظاهر ولا يجوز الخروج عن الظاهر بالظنون.

7-     قال أهل الذوق في عربيَّتنا: إن حرفَي العين والقاف أعذبُ الحروف

وذلك لسهولة مخرج العين حتى أنه يملأ الحلْق ماءًا عذْبًا باردًا، وكأنه ينعش الصدر ويُبهِجُهُ ويُروِي غُلَّتَه، والقاف يُضفي على الكلام جمالًا رهيبًا آخَرَ ذا خيال، لا أدري كيف أصفه لكم كما وصفتُ العَين… وأمرٌ آخَرُ: فحرف العين لمَّا عذُب صوتُهُ عند العرب أكثروا منه في كلامهم حتى قال الفراهيديُّ: “ذهبت العربيةُ في العين”.

قلت: ولهذا كانت كلمة “العشق” جميلة الموقع في الآذان، مرِحة على مرأى القلوب، كأنها بذاتها الحبيبُ الذي نعشقُهُ، والخِلُّ الذي نرقُبُه، فيا لَلَّه! كم ترقص الآلامُ بالأنغام!

8-     يقول أهل اللغة: إن التنزُّهَ هو البعد عن الأرياف والمياه

وقال ابن السِّكِّيت: “ومما يضعه الناس في غير موضعه قولهم: خرجنا نتنزّه، إذا خرجوا إلى البساتين”

فابن السكيت يرى هذا استعمالا خطأ، ويوافقه الفيرزآبادي بقوله: “واسْتِعْمالُ التَّنَزُّه في الخُروجِ إلى البَساتِينِ والخُضَرِ والرِّياضِ غَلَطٌ قبيحٌ”.

وأظنه ليس بذلك القبح، لأن أصل المادة يدلُّ على البعد والخُلُوِّ من المرض والقذارة والسوء، والاستعمال العامِّيُّ الذي أنكره ابن السكيت لا يخرج عن تلك المعاني، لأن الخروج إلى البساتين والرياض هو تباعدٌ من مكانٍ إلى مكانٍ أحسنَ منه وخيرٍ منه، ولكنَّه يبقى على أي حال توليدًا في المعنى، وللفائدة فإن التوليد نوعان: لفظيٌّ ومعنويٌّ، واللفظي هو اختراع لفظٍ جديدٍ داخلٍ في وِزان العربية ولكنه غير مسموع من العرب كتوليد أهل الحديث لمصطلح “الوِجادة” بمعنى الرواية عن طريق الكُتُب الموجودة، وهذه اللفظة “الوِجادة” -بكسر الواو- غير مسموعة عن العرب، والنوع الثاني هو التوليد المعنوي ويُقصَد به الحِفاظ على اللفظ المسموع وإدخال معانيَ جديدة تحته، وهنا يتباحث اللغويون والأصوليون قضايا المجاز والعُرف ونحوها.

9- لفظتا “فَرْتَنَى” و” fırtına” بين العربية والتركية

من غريب ما شدَّ انتباهي في العربية هذه اللفظةُ “فَرْتَنَى”، صادفتُها حين كنتُ أقرأ مِن ديوان نابغة بني ذُبيان في مطلع قصيدة له إذ يقول:

 

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العقل عند سلف الامة👍👍👌👌